الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

458

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وأما « المقفى » فكذلك ، أي : قفا آثار من سبقه من الرسل ، وهي لفظة مشتقة من « القفو » يقال : قفاه يقفوه إذا تأخر عنه ، ومنه قافية الرأس ، وقافية البيت ، فالمقفى المقفى : الذي قفا من قبله من الرسل فكان خاتمهم وآخرهم . وأما « الأول » فلأنه أول النبيين خلقا - كما مر - وكما أنه أول في البدء فهو أول في العود ، فهو أول من تنشق عنه الأرض ، وأول من يدخل الجنة ، وهو أول شافع وأول مشفع ، كما كان في أوليات البدء في عالم الذر أول مجيب ، إذ هو أول من قال : بلى ، إذ أخذ ربه الميثاق على الذرية الآدمية ، فأشهدهم على أنفسهم : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ « 1 » فهو - صلى اللّه عليه وسلم - الأول في ذلك كله على الإطلاق . وأما « الآخر » فلأنه آخر الأنبياء في البعث كما في الحديث . وأما « الظاهر » فلأنه ظهر على جميع الظاهرات ظهوره ، وظهر على الأديان دينه ، فهو الظاهر في وجوه الظهور كلها . وأما « الباطن » فهو المطلع على بواطن الأمور بواسطة ما يوحيه اللّه تعالى إليه . وأما « الفاتح الخاتم » ففي حديث الإسراء عن أبي هريرة من طريق الربيع ابن أنس قوله تعالى له : « وجعلتك فاتحا وخاتما » . وفي حديث أبي هريرة رضى اللّه عنه - أيضا وفي الإسراء ، قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « وجعلني فاتحا وخاتما » « 2 » . فهو الذي فتح اللّه به باب الهدى بعد أن كان مرتجّا ، وفتح به أعينا عميا ، وآذانا صمّا ، وقلوبا غلفا ، وفتح أمصار الكفر ، وفتح به أبواب الجنة ، وفتح به طرق العلم النافع والعمل الصالح ، والدنيا والآخرة ، والقلوب والأسماع والأبصار والإبصار .

--> ( 1 ) سورة الأعراف : 172 . ( 2 ) ذكره الهيثمي في « المجمع » ( 1 / 69 ) ضمن حديث طويل جدّا وقال رواه البزار ورجاله موثقون إلا أن الربيع بن أنس قال عن أبي العالية أو غيره فتابعيه مجهول .